ابن قيم الجوزية
29
الوابل الصيب من الكلم الطيب
ومن المعلوم أن أطيب ما عند الناس من الرائحة رائحة المسك ، فمثل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذا الخلوف عند الله تعالى بطيب رائحة المسك عندنا وأعظم . ونسبة استطابة ذلك إليه سبحانه وتعالى كنسبة سائر صفاته وأفعاله إليه فإنها استطابة لا تماثل استطابة المخلوقين ، كما أن رضاه وغضبه وفرحه وكراهته وحبه وبغضه لا تماثل ما للمخلوق من ذلك ، كما أن ذاته سبحانه وتعالى لا تشبه ذوات خلقه وصفاته لا تشبه صفاتهم وأفعالهم . وهو سبحانه وتعالى يستطيب الكلم الطيب فيصعد إليه ، والعمل الصالح فيرفعه . وليست هذه الاستطابة كاستطابتنا . ثم إن تأويله لا يرفع الإشكال ، إذ ما استشكله هؤلاء من الاستطابة يلزم مثله الرضا ، فإن قال رضا ليس كرضا المخلوقين ، فقولوا استطابة ليس كاستطابة المخلوقين . وعلى هذا جميع ما يجيء من هذا الباب . ثم قال : وأما ذكر يوم القيامة في الحديث فلأنه يوم الجزاء ، وفيه يظهر رجحان الخلوف في الميزان على المسك المستعمل لدفع الرائحة الكريهة طلباً لرضاء الله تعالى حيث يؤمر باجتنابها واجتلاب الرائحة الطيبة كما في المساجد والصلوات وغيرها من العبادات ، فخص يوم القيامة بالذكر وفي بعض الروايات كما خص في قوله تعالى : { إن ربهم بهم يومئذ لخبير } وأطلق في باقيها نظراً إلى أن أصل أفضليته ثابت في الدارين . قلت من العجب رده على أبي محمد بما لا ينكره أبو محمد وغيره ، فإن الذي فسر به الاستطابة المذكورة في الدنيا بثناء الله تعالى على الصائمين ورضائه بفعلهم أمر لا ينكره مسلم ، فإن الله تعالى قد أثنى عليهم في كتابه وفيما بلغه عنه رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ورضي بفعله ، فإن كانت هذه هي الاستطابة فيرى الشيخ أبو محمد [ لا ] ينكرها . والذي ذكره الشيخ أبو محمد أن هذه الرائحة إنما يظهر طيبها على طيب المسك في اليوم الذي يظهر فيه طيب دم الشهيد ويكون كرائحة المسك ، ولا ريب أن ذلك يوم القيامة فإن الصائم في ذلك اليوم يجيء ورائحة فمه أطيب من رائحة المسك كما يجيء المكلوم في سبيل الله عز وجل ورائحة دمه كذلك ، لا سيما والجهاد أفضل من الصيام ، فإن كان طيب رائحته إنما يظهر يوم القيامة فكذلك الصائم . وأما حديث جابر فإنه يمسون وخلوف أفواههم أطيب من ريح المسك ، فهذه جملة حالية لا خبرية ، فإن خبر إمسائه لا يقترن بالواو لأنه خبر مبتدأ فلا يجوز اقترانه بالواو . وإذا كانت الجملة حالية فلأبي محمد أن يقول : هي حال مقدرة ، والحال المقدرة يجوز تأخيرها عن زمن الفعل العامل فيها ، ولهذا لو صرح بيوم القيامة في مثل هذا فقال : يمسون وخلوف أفواههم